لماذا تخلى زوكربيرغ عن حلم “الميتافيرس” لصالح الذكاء الاصطناعي؟
في تحول درامي وصفه المحللون بـ “الاستدارة الاستراتيجية الأعنف”، أعلن مارك زوكربيرغ رسمياً في مارس 2026 إغلاق منصة “هورايزن وورلدز” (Horizon Worlds)، واضعاً حداً لمشروع الميتافيرس الذي كلف خزينة شركة “ميتا” قرابة 80 مليار دولار. هذا القرار لم يكن مجرد اعتراف بالفشل المالي، بل كان إعلاناً عن انتقال السيادة من “العوالم الافتراضية” إلى “الذكاء الاصطناعي”، حيث تسعى الشركة الآن للهيمنة عبر الحوسبة المكانية والنظارات الذكية التي تدمج الذكاء في رؤية المستخدم اليومية.
لقد اصطدم طموح زوكربيرغ بجدار الحقيقة المرة؛ فبينما كان يحلم بتغيير سلوك البشر قسراً للعيش داخل نظارات خرقاء، أظهرت الأرقام نزيفاً مالياً حاداً بلغ 19 مليار دولار في عام 2025 وحده لقسم “رياليتي لابس”. هذا الإخفاق دفع الشركة لرفع سقف الإنفاق الرأسمالي لعام 2026 إلى مستويات قياسية تصل إلى 135 مليار دولار، موجهة الدفة بالكامل نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ونماذج “لاما” (Llama) المتطورة.
أسباب سقوط “أفق” زوكربيرغ
يرجع المحللون سقوط “الميتافيرس” إلى فجوة عميقة بين التطلعات التقنية ورغبات المستخدم الحقيقية؛ فالمستهلكون الذين قاوموا فكرة الانغماس الكامل في عوالم كرتونية قوبلت بالسخرية، احتضنوا في المقابل أدوات الذكاء الاصطناعي التي تسهل حياتهم الواقعية. لقد حاول زوكربيرغ بناء ما يشبه “السجن الذهبي” الافتراضي، لكن العالم لم يكن مستعداً للتخلي عن واقعه الملموس لصالح تجربة بصرية لم تنضج تقنياً بعد.
بالإضافة إلى ذلك، واجهت نظارات الواقع الافتراضي “كويست” انتقادات تتعلق بوزنها وصعوبة ارتدائها لفترات طويلة، مما جعل نمو الصناعة أبطأ بكثير من التوقعات المتفائلة. وقد اعترف المدير التقني لميتا، أندرو بوزورث، بأن التركيز سينتقل الآن إلى “النظارات الذكية” الخفيفة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والتي تعزز الواقع بدلاً من استبداله، لتكون أكثر ملاءمة للاستخدام اليومي المستمر.
علاوة على ذلك، كان الميتافيرس يفتقر إلى “الضرورة”؛ فالمستخدمون لم يجدوا سبباً جوهرياً يدفعهم لقضاء ساعات داخل “هورايزن وورلدز” في ظل وجود منصات تواصل اجتماعي وتطبيقات إنتاجية أكثر كفاءة. هذا الرفض الجماهيري، مدعوماً بالخسائر المليارية، جعل من استمرار المشروع انتحاراً اقتصادياً للشركة التي كانت تواجه ضغوطاً من المستثمرين لضبط الإنفاق والتركيز على المجالات ذات العائد المضمون.
الرهان الجديد: من السيطرة على المكان إلى الإدراك
لا يمثل تراجع زوكربيرغ انسحاباً من ساحة المنافسة، بل هو تغيير في الأدوات والمنهجية؛ فبينما كان الميتافيرس محاولة للسيطرة على “المكان” الافتراضي، فإن الذكاء الاصطناعي هو محاولة للسيطرة على “إدراك” المستخدم. تستثمر ميتا الآن بكثافة في رقائقها الخاصة “إم تي آي إيه” (MTIA) لتقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين مثل إنفيديا، ساعية لبناء “ذكاء اصطناعي خارق” يفهم السياق الشخصي لكل فرد.
هذا التحول يمنح ميتا فرصة ذهبية لامتلاك “نظام تشغيل” خاص بها يتجاوز قيود آبل وغوغل، وهي الغاية التي كانت تحرك مشروع الميتافيرس منذ بدايته. من خلال النظارات الذكية المدعومة بـ “لاما”، ستكون ميتا هي الطبقة التي يرى من خلالها المستخدم العالم، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بتصنيف المعلومات، ترجمة اللغات فورياً، وتسهيل المهام اليومية دون الحاجة لإخراج الهاتف من الجيب.
كما قامت ميتا بإطلاق أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة القدرة لتولي عمليات الإشراف على المحتوى وتخصيص الإعلانات بشكل أدق، مما يعزز من ربحية منصاتها التقليدية (فيسبوك وإنستغرام). إن الرهان الآن هو على “الذكاء المحيطي” الذي يتواجد في كل مكان حولنا، مما يجعل التكنولوجيا جزءاً غير مرئي ولكنه أساسي من نسيج الحياة اليومية، وهو رهان يبدو أكثر واقعية وجاذبية من العوالم الافتراضية المغلقة.
التحديات القانونية والسياسية في طريق التحول
لم تكن طريق زوكربيرغ مفروشة بالورود، حيث تزامن هذا التحول مع ضغوط قانونية هائلة؛ فالمحاكمات التاريخية في واشنطن اتهمت الشركة بإنفاق المليارات للاستحواذ على المنافسين مثل إنستغرام وواتساب لخنق الابتكار. هذه الملاحقات القضائية تجعل من تحرك ميتا نحو الذكاء الاصطناعي محاولة لإعادة صياغة هويتها كشركة “مبتكرة” تقود المستقبل، بدلاً من كونها “محتكراً” لوسائل التواصل.
على الصعيد السياسي، حاول زوكربيرغ التقرب من الإدارة الأمريكية الحالية لضمان مكانة ريادية في تنظيم الذكاء الاصطناعي، إلا أن هذه التحركات قوبلت باستياء من بعض مسؤولي البيت الأبيض. الصراع على نفوذ الذكاء الاصطناعي ليس تقنياً فحسب، بل هو صراع جيوسياسي تسعى فيه ميتا لتكون الذراع التكنولوجي الأقوى للولايات المتحدة في مواجهة المنافسة الصينية الشرسة.
إضافة إلى ذلك، تثير تقنيات “بيع الهويات” لتدريب النماذج الذكية مخاوف كبرى بشأن الخصوصية؛ فامتلاك ميتا لبيانات مليارات المستخدمين يمنحها ميزة غير عادلة في تدريب “لاما”، وهو ما يضعها تحت مجهر لجان التجارة الفيدرالية مرة أخرى. إن قدرة الشركة على موازنة طموحاتها في الذكاء الاصطناعي مع المتطلبات الأخلاقية والقانونية ستكون الاختبار الحقيقي لنجاح استراتيجيتها الجديدة في 2026.
مستقبل الحوسبة المكانية والنظارات الذكية
مع إغلاق “هورايزن وورلدز”، ينتقل التركيز كلياً إلى ما يعرف بـ “الحوسبة المكانية” (Spatial Computing). النظارات الذكية التي تطورها ميتا، مثل “راي-بان ميتا” والجيل القادم منها، تهدف لأن تكون الجهاز الأساسي القادم الذي يحل محل الهاتف المحمول. هذه النظارات ستسمح للمستخدمين بالبقاء في العالم الحقيقي مع إضافة طبقات رقمية ذكية تساعدهم في العمل، التسوق، والتواصل.
الذكاء الاصطناعي في هذه النظارات لن يكون مجرد مساعد صوتي، بل سيكون قادراً على “رؤية” ما يراه المستخدم وتقديم نصائح لحظية. فمثلاً، يمكن للنظارة التعرف على العطل في محرك السيارة وتقديم إرشادات إصلاح خطوة بخطوة، أو تذكيرك باسم شخص تقابله في مؤتمر. هذا النوع من التطبيقات العملية هو ما سيجعل التكنولوجيا مقبولة جماهيرياً بعيداً عن أحلام الميتافيرس المعزولة.
إن نجاح هذه الرؤية يعتمد على قدرة ميتا على تصغير العتاد التقني ليصبح أنيقاً وغير ملحوظ، وهو تحدٍ هندسي كبير. ومع استمرار التحسن في عمر البطارية وقوة المعالجة لرقائق ميتا الخاصة، يتوقع الخبراء أن يشهد عام 2026 بداية النهاية لعصر الشاشات التقليدية، وبداية عصر “الواجهات الرقمية المدمجة في الواقع”، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأول لكل ما نراه ونفعله.
الدروس المستفادة من خسارة الـ 80 مليار دولار
تعتبر قصة الميتافيرس واحدة من أغلى الدروس في تاريخ وادي السيليكون؛ فقد أثبتت أن امتلاك الموارد المالية الضخمة لا يضمن تغيير طبيعة البشر الاجتماعية. الدرس الأهم هو أن التكنولوجيا الناجحة هي التي “تتبع” احتياجات البشر وتسهلها، وليست التي تحاول “خلق” احتياجات مصطنعة للهروب من الواقع. لقد تعلم زوكربيرغ أن السيادة في المستقبل هي لمن يملك “الذكاء” الذي يدير البيانات، وليس لمن يملك “المكان” الذي تُعرض فيه.
كما أظهرت هذه التجربة أهمية “المرونة الاستراتيجية”؛ فقدرة ميتا على إغلاق مشروع بهذا الحجم وتوجيه الموارد نحو الذكاء الاصطناعي تعكس رغبة بقاء قوية. ورغم السخرية التي طالت “هورايزن وورلدز”، إلا أن البنية التحتية التي بُنيت من أجلها (مثل مراكز البيانات والرقائق) أصبحت الآن هي العمود الفقري لمشروع الذكاء الاصطناعي، مما يعني أن الـ 80 مليار دولار لم تذهب كلها هباءً.
في نهاية المطاف، يظل زوكربيرغ مقامراً تكنولوجياً بامتياز؛ فقد نقل رهانه من عالم افتراضي لم يزره أحد، إلى ذكاء اصطناعي يحيط بالجميع. المستقبل سيحدد ما إذا كان هذا التحول سينقذ إمبراطوريته، أم أنه سيكون مجرد فصل آخر في قصة شركة تحاول جاهدة اللحاق بمستقبل لا يمكن التنبؤ به تماماً في ظل المنافسة الشرسة والقيود المتزايدة.
هل يربح زوكربيرغ رهان “الإدراك”؟
باختصار، يمثل عام 2026 نقطة تحول مفصلية لشركة ميتا؛ فبإغلاقها “هورايزن وورلدز”، تعترف الشركة بأن “الإنترنت القادم” ليس مكاناً نزوره داخل نظارات ثقيلة، بل هو ذكاء يحيط بنا في كل لحظة. الرهان الآن انتقل من السيطرة على “المكان الافتراضي” إلى السيطرة على “البيانات والذكاء” التي تشكل إدراكنا للعالم الحقيقي عبر النظارات الذكية ونماذج لاما.
هذا التحول يعكس نضجاً في تفكير القيادة في ميتا، حيث يتم توظيف الموارد الضخمة في مجالات ذات أثر مباشر وملموس على حياة المستخدمين وأداء الشركات. ورغم الخسائر التاريخية، إلا أن الشركة لا تزال تملك الأدوات والقاعدة الجماهيرية التي قد تجعلها القوة الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي المحيطي، إذا ما نجحت في تجاوز العقبات القانونية والتقنية المعقدة.
مستقبل “ميتا” في عصر الذكاء المحيطي
ختاماً، فإن تخلي مارك زوكربيرغ عن حلم الميتافيرس لم يكن تراجعاً، بل هو “إعادة تموضع” استراتيجي للسيطرة على المستقبل الرقمي. إن الذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي للنمو في عام 2026، وميتا تضع كل ثقلها لتكون في قلب هذا التحول. النجاح القادم لن يُقاس بعدد المستخدمين في العوالم الافتراضية، بل بمدى تغلغل ذكاء “لاما” في النظارات والأجهزة التي يرتديها البشر يومياً.
ومع استمرار السباق نحو “الذكاء الاصطناعي الخارق”، تظل ميتا لاعباً لا يستهان به بفضل سيطرتها على تدفق البيانات وتطويرها لعتادها الخاص. لقد أغلقت “أفق” زوكربيرغ الافتراضي، لكنها فتحت آفاقاً جديدة لذكاء يدمج الرقمي بالواقعي بشكل غير مسبوق. يبقى السؤال: هل سيتقبل العالم هذا “الذكاء المحيطي” أم سيعيد التاريخ نفسه بمقاومة تكنولوجية جديدة؟
الأيام القادمة ستحمل الإجابة، ولكن الأكيد هو أن عصر الميتافيرس كما عرفناه قد انتهى، ليبدأ عصر “ميتا الذكية” التي تسعى لرؤية العالم بعيوننا وبذكائها الخاص.
